الشيخ الطوسي
354
التبيان في تفسير القرآن
وقوله " ثم جعلناه نطفة في قرار مكين " المعنى جعلنا الانسان ، وهو من ولد من نسل آدم " نطفة " وهي القطرة من ماء المني التي يخلق الله منها الحيوان ، على مجرى العادة في التناسل ، فيخلق الله من نطفة الانسان إنسانا ومن نطفة كل حيوان ما هو من جنسه . ومعنى " مكين " أي مكين لذاك ، بأن هيئ لاستقراره فيه إلى بلوغ أمده الذي جعل له . وقوله " ثم خلقنا النطفة علقة " فالعلقة القطعة من الدم إذا كانت جامدة ، فبين الله تعالى أنه يصير تلك النطفة علقة ، ثم يجعل العلقة مضغة ، وهي القطعة من اللحم . ثم اخبر انه يجعل المضغة " عظاما " . وقرئ " عظما " وهي قراءة ابن عامر وأبي بكر عن عاصم . فمن قرأ " عظاما " أراد ما في الانسان من أقطاع العظم . ومن قرأ " عظما " فلانه اسم جنس يدل على ذلك . ثم بين تعالى انه يكسو تلك " العظام لحما " ينشئه فوقها ، كما تكسى الكسوة . وقوله ثم " أنشأناه خلقا آخر " يعني بنفخ الروح فيه - في قول ابن عباس ومجاهد - وقيل : نبات الأسنان والشعر ، واعطاء العقل والفهم . وقيل " خلقا آخر " معناه ذكر أو أنثى . ثم قال " فتبارك الله أحسن الخالقين " ومعنى ( تبارك ) استحق التعظيم بأنه قديم لم يزل ، ولا يزال ، وهو مأخوذ من البروك ، وهو الثبوت . وقوله " أحسن الخالقين " فيه دلالة على أن الانسان قد يخلق على الحقيقة ، لأنه لو لم يوصف بخالق إلا الله ، لما كان لقوله " أحسن الخالقين " معنى . وأصل الخلق التقدير ، كما قال الشاعر : ولانت تفري ما خلقت وبعض * القوم يخلق ثم لا يفري ( 1 ) ثم خاطب الخلق . فقال ( ثم إنكم ) معاشر الخلق بعد هذا الخلق والاحياء
--> ( 1 ) مر تخريجه في 6 / 369